خلاصة كتاب: في مدح المكتب


 خلاصة كتاب

In Praise of the Office

في مدح المكتب

لمؤلفيه:

 بيتر كابيلي

رانيا نمهة

 

 

مقدمة:

أحدثت جائحة كورونا تحولًا كبيرًا في مفهوم العمل، إذ انتقلت ملايين الوظائف بصورة مفاجئة من المكاتب إلى المنازل، وأثبتت التكنولوجيا أن كثيرًا من الأعمال يمكن إنجازها دون وجود الموظفين في مكان واحد. وبعد انتهاء الجائحة، لم يعد السؤال هو ما إذا كان العمل عن بُعد ممكنًا، بل أصبح السؤال أكثر تعقيدًا: هل ينبغي أن يكون العمل عن بُعد هو النموذج الأساسي للمستقبل؟

يناقش بيتر كابيلي ورانيا نمهة هذه القضية من منظور نقدي، محاولين تجاوز الانقسام الشائع بين مؤيدي المكتب ومؤيدي العمل عن بُعد. فالكتاب لا ينكر مزايا المرونة والعمل من المنزل، لكنه يلفت الانتباه إلى أن بعض الوظائف والأنشطة التنظيمية تعتمد على وجود الأشخاص معًا أكثر مما يبدو للوهلة الأولى.

لماذا أصبح العمل عن بُعد جذابًا؟

أحد أسباب انتشار العمل عن بُعد هو أنه يقدم مزايا واضحة للموظفين والشركات. فالموظف يستطيع التخلص من وقت التنقل، وتنظيم يومه بصورة أكثر مرونة، والعمل في بيئة قد تكون أكثر راحة بالنسبة إليه. أما الشركات، فيمكنها تقليل بعض تكاليف المكاتب، والوصول إلى موظفين يعيشون في مناطق بعيدة، وتوسيع نطاق البحث عن المواهب.

كما أن التكنولوجيا جعلت التعاون عن بُعد أسهل بكثير. أصبحت الاجتماعات الافتراضية، ومنصات إدارة المشروعات، والمراسلات الفورية، والتخزين السحابي أدوات يومية في كثير من المؤسسات.

لكن المؤلفين يحذران من الانتقال من حقيقة بسيطة، وهي أن بعض العمل يمكن إنجازه عن بُعد، إلى استنتاج أوسع يقول إن المكتب لم يعد ضروريًا.

المشكلة ليست في إنجاز المهام فقط:

يركز الكتاب على الفرق بين إنجاز المهام وبين بناء المؤسسة. فقد يستطيع الموظف تنفيذ مهمة محددة من المنزل بالسرعة والكفاءة نفسها، لكن العمل داخل المؤسسة لا يتكون من المهام الفردية وحدها.

هناك عمليات أخرى أقل وضوحًا، مثل نقل المعرفة، وتكوين العلاقات، والتدريب، وتبادل الأفكار، وبناء الثقة، وفهم ثقافة المؤسسة. وهذه الأمور قد لا تظهر مباشرة في مؤشرات الإنتاجية، لكنها تؤثر في أداء المؤسسة على المدى الطويل.

ومن هنا يرى المؤلفان أن قياس نجاح العمل عن بُعد لا ينبغي أن يعتمد فقط على سؤال: هل أنجز الموظف ما طُلب منه؟ بل يجب أيضًا أن نسأل: ماذا يحدث للتعاون والتعلم والابتكار والعلاقات المهنية؟

 

قيمة التفاعل المباشر:

المكتب يوفر نوعًا من التفاعل لا تستطيع التكنولوجيا تقليده بصورة كاملة. ففي مكان العمل يمكن للموظف أن يطرح سؤالًا سريعًا على زميله، أو يسمع نقاشًا بين اثنين من زملائه، أو يلتقي بشخص من قسم آخر، أو يكتشف مشكلة لم يكن يعرف بوجودها.

هذه التفاعلات العفوية قد تكون مصدرًا مهمًا للأفكار والمعرفة. أما في بيئة العمل عن بُعد، فإن معظم الاتصالات تحتاج إلى أن تكون مخططة: اجتماع محدد، رسالة، مكالمة أو بريد إلكتروني.

وبذلك قد تختفي بعض المحادثات التي لم يكن أحد يخطط لها أصلًا، لكنها كانت تؤدي دورًا مهمًا في سير العمل.

 

الموظفون الجدد والتعلم:

من أكثر الجوانب أهمية في الكتاب مسألة التعلم داخل بيئة العمل. فالموظف الجديد لا يتعلم كل شيء من دليل الإجراءات أو الدورات التدريبية. جزء كبير من المعرفة المهنية يتم اكتسابه من خلال مراقبة الآخرين.

عندما يعمل الموظف في المكتب، يستطيع ملاحظة كيفية إدارة المدير لاجتماع، وكيف يتعامل زميل أكثر خبرة مع مشكلة، وكيف يتواصل الفريق مع العملاء، وما التصرفات التي تعتبر مقبولة أو غير مقبولة داخل المؤسسة.

أما عن بُعد، فقد يحصل الموظف على المعلومات الرسمية، لكنه قد يفقد كثيرًا من المعرفة غير المكتوبة التي يكتسبها الإنسان من الاحتكاك اليومي.

وهذا يجعل العمل من المكتب مهمًا بصورة خاصة للموظفين في بداية حياتهم المهنية، لأنهم يحتاجون إلى بناء المهارات والشبكات والعلاقات وليس مجرد إنجاز المهام المطلوبة منهم.

 

الإبداع والابتكار:

يناقش الكتاب أيضًا العلاقة بين مكان العمل والإبداع. فالأفكار الجديدة لا تأتي دائمًا من الاجتماعات الرسمية أو جلسات العصف الذهني المنظمة. كثيرًا ما تظهر نتيجة التفاعل بين أشخاص مختلفين، عندما يضيف أحدهم فكرة إلى فكرة أخرى.

وجود فريق في مكان واحد يزيد فرص هذا النوع من التفاعل، خصوصًا عندما يعمل أشخاص من تخصصات مختلفة معًا.

ولا يعني ذلك أن العمل عن بُعد يمنع الابتكار، فهناك شركات وأفراد استطاعوا تحقيق نتائج إبداعية باستخدام الأدوات الرقمية. لكن الكتاب يشير إلى أن المؤسسات يجب أن تدرك أن بعض أنواع الابتكار تحتاج إلى تفاعل مباشر، وأن انتقالها بالكامل إلى البيئة الرقمية قد يغير طبيعة هذه العملية.

 

الثقافة المؤسسية:

الثقافة المؤسسية من أكثر العناصر التي يصعب قياسها، لكنها تؤثر بصورة كبيرة في نجاح المؤسسات. فهي لا تتكون فقط من القيم المكتوبة في سياسات الشركة، بل من التجارب اليومية والعلاقات وطريقة تعامل الموظفين مع بعضهم بعضًا.

يساعد المكتب على تكوين شعور بأن الموظفين جزء من جماعة واحدة. فمن خلال اللقاءات اليومية، يتعرف الأشخاص إلى بعضهم بصورة أفضل، وتزداد الثقة بينهم، ويتعلم الموظف الجديد طريقة التفكير السائدة داخل المؤسسة.

أما عندما يعمل الجميع من أماكن منفصلة، فقد تصبح المؤسسة أكثر اعتمادًا على القنوات الرسمية، وقد تضعف بعض الروابط غير الرسمية التي تساعد على بناء الانتماء.

 

حدود العمل الهجين:

يبدو العمل الهجين في ظاهره حلًا وسطًا بين المكتب والعمل عن بُعد، لكنه ليس خاليًا من المشكلات.

فإذا حضر بعض الموظفين إلى المكتب بينما يعمل آخرون من المنزل، فقد تنشأ مشكلة تتعلق بتكافؤ الفرص. الموظف الموجود فعليًا قد يحصل على فرص أكبر للتواصل مع المديرين أو المشاركة في محادثات غير رسمية أو التعرف إلى مشروعات جديدة.

وقد يشعر الموظف البعيد بأنه أقل حضورًا في المؤسسة، حتى إذا كان أداؤه جيدًا.

كما أن العمل الهجين يحتاج إلى تنظيم دقيق. فإذا لم تحدد الشركة سبب حضور الموظفين ومتى يحتاج الفريق إلى الاجتماع، فقد يتحول المكتب إلى مكان للحضور الشكلي، بينما تستمر الاجتماعات والعمل الحقيقي عبر الإنترنت.

 

الإدارة وقياس الأداء:

يفرض العمل عن بُعد أيضًا تغييرًا في أسلوب الإدارة. ففي المكتب يمكن للمدير رؤية الموظف بصورة مباشرة، لكن العمل عن بُعد يجعل الاعتماد على الحضور أقل أهمية، ويجعل قياس النتائج أكثر أهمية.

وهذا يمكن أن يكون أمرًا إيجابيًا، لأن الموظف ينبغي أن يُقيّم بناءً على جودة عمله ونتائجه، وليس على عدد الساعات التي يقضيها أمام المكتب.

لكن هذا النموذج يتطلب مديرين يمتلكون مهارات أفضل في تحديد الأهداف، والتواصل، والمتابعة، وتقديم الملاحظات. كما يتطلب ثقافة تقوم على الثقة بدلًا من المراقبة المستمرة.

 

هل المكتب سيختفي؟

لا يرى المؤلفان أن مستقبل العمل يتطلب العودة الكاملة إلى المكتب، كما لا يريان أن اختفاء المكتب هو النتيجة الطبيعية للتكنولوجيا.

المشكلة الأساسية هي استخدام المكتب بطريقة غير فعالة. فإذا كان الموظف سيذهب إلى المكتب ليجلس وحده أمام جهاز الحاسوب ويشارك في اجتماعات افتراضية طوال اليوم، فمن الصعب تبرير أهمية وجوده هناك.

أما إذا أصبح المكتب مكانًا للتعاون والتدريب والتواصل وبناء العلاقات وحل المشكلات المعقدة، فإن قيمته تصبح أكبر.

ولهذا ينبغي إعادة تصميم المكاتب لتناسب طبيعة العمل الحديثة، بدلًا من مجرد إعادة الموظفين إلى المكاتب القديمة بالقواعد نفسها.

المرونة ليست هدفًا في حد ذاتها:

يقدم الكتاب فكرة مهمة مفادها أن المرونة وسيلة وليست هدفًا نهائيًا. فالهدف الأساسي لأي مؤسسة هو تحقيق نتائج جيدة، وتطوير موظفيها، والحفاظ على قدرتها على الابتكار والتكيف.

إذا ساعد العمل عن بُعد مؤسسة معينة على تحقيق هذه الأهداف، فمن المنطقي استخدامه. وإذا كانت بعض المهام تحتاج إلى الحضور الشخصي، فيجب ألا تتحول الرغبة في المرونة إلى عائق أمام أداء العمل.

لذلك لا توجد صيغة واحدة تصلح لجميع المؤسسات أو الوظائف أو الموظفين.

 

الخلاصة:

يقدم الكتاب دفاعًا عن قيمة المكتب، لكنه لا يقدم دفاعًا أعمى عن النموذج التقليدي للعمل. الفكرة الأساسية هي أن المكتب يؤدي وظائف تتجاوز توفير مكان للموظف حتى ينفذ مهامه.

فالعمل المشترك يساعد على التعلم، ونقل المعرفة، وبناء العلاقات، وتكوين الثقافة المؤسسية، وتعزيز التعاون والابتكار. وفي المقابل، يوفر العمل عن بُعد مرونة وراحة واستقلالية وفوائد عملية لا يمكن تجاهلها.

لذلك فإن مستقبل العمل، وفق الرؤية التي يقدمها الكتاب، لا ينبغي أن يقوم على اختيار طرف واحد. الأفضل هو فهم طبيعة كل مهمة وكل مؤسسة، ثم تحديد متى يكون العمل عن بُعد أكثر كفاءة، ومتى يكون وجود الموظفين معًا أكثر قيمة.

وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون السؤال: هل نختار المكتب أم العمل عن بُعد؟ بل: ما الذي يحتاج إلى وجودنا معًا، وما الذي يمكن إنجازه بكفاءة من أي مكان؟

هذه المقاربة تفتح الطريق أمام نموذج أكثر واقعية للعمل الهجين، لا يقوم على الشعارات أو الافتراضات، وإنما على فهم القيمة الحقيقية التي يضيفها كل مكان إلى العمل.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

خلاصة كتاب: طريقة تفكير

خلاصة كتاب : متميز لا يستطيعون تجاهلك

قصص نجاح في العمل عن بعد: دروس يمكننا تعلمها