الحدود الخفية للعمل عن بعد: هل يمكن الفصل بين الحياة الشخصية والمهنية؟
شهد العالم في السنوات الأخيرة
توسعًا غير مسبوق في العمل عن بعد، حتى أصبح خيارًا رئيسيًا لدى الشركات والموظفين
على حد سواء. وقد ارتبط هذا النمط من العمل بمرونة أكبر، وتوفير وقت التنقل،
وتحسين جودة الحياة. لكن خلف هذه المزايا الظاهرة توجد تحديات أقل وضوحًا، أهمها
تداخل الحياة الشخصية والمهنية. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل يمكن حقًا الفصل بين
العمل والحياة الشخصية أثناء العمل من المنزل؟
في بيئة العمل التقليدية، كان
الانتقال الجسدي إلى مقر العمل يمثل حدًا واضحًا بين الدورين؛ فعند مغادرة المكتب
ينتهي العمل نفسيًا قبل أن ينتهي فعليًا. أما في العمل عن بعد، فإن المكتب يوجد
داخل المنزل، والكمبيوتر الشخصي هو ذاته أداة العمل، والهاتف الذي نتواصل به مع
العائلة هو نفسه وسيلة التواصل المهني. هذا الاندماج يؤدي إلى ما يسمى بالحدود
الخفية للعمل عن بعد، حيث تختفي الفواصل الزمنية والمكانية التي كانت تحمي التوازن
النفسي.
أول أثر مباشر لهذا التداخل هو
امتداد ساعات العمل دون وعي. الموظف يفتح بريده الإلكتروني في المساء، يرد على
رسالة سريعة، ثم يتحول الرد إلى مهمة، والمهمة إلى ساعة عمل كاملة. ومع تكرار ذلك
يوميًا، تتحول المرونة إلى ضغط دائم. وتشير تجارب كثيرة إلى أن العاملين عن بعد
يعملون ساعات أطول من العاملين في المكاتب رغم شعورهم بأنهم يعملون أقل.
ثانيًا، يتأثر التركيز الذهني بشكل
ملحوظ. فعندما لا يملك العقل بداية واضحة ونهاية محددة ليوم العمل، يبقى في حالة
استعداد دائم. هذه الحالة تستهلك الطاقة الذهنية حتى أثناء أوقات الراحة، فيشعر
الشخص بالإرهاق رغم قلة الجهد الجسدي. وهنا تتضح المفارقة: العمل عن بعد يوفر
الراحة الجسدية لكنه قد يزيد الإجهاد الذهني.
ثالثًا، تتأثر العلاقات الشخصية داخل
المنزل. فوجود الشخص جسديًا لا يعني حضوره فعليًا. كثير من العاملين عن بعد يجلسون
مع عائلاتهم بينما يظل ذهنهم مرتبطًا بالمهام المهنية. وبمرور الوقت، قد يشعر
أفراد الأسرة أن العمل يشاركهم المساحة والاهتمام.
مع ذلك، لا يعني هذا أن الفصل بين
الحياة المهنية والشخصية مستحيل. بل يتطلب تصميم حدود مقصودة بدل الاعتماد على
حدود طبيعية. يمكن تحقيق ذلك عبر ثلاث استراتيجيات أساسية.
أولًا: إنشاء حدود مكانية. تخصيص
مساحة محددة للعمل حتى لو كانت زاوية صغيرة يمنح الدماغ إشارة واضحة بأن الدخول
إليها يعني بدء العمل والخروج منها يعني نهايته.
ثانيًا: تحديد حدود زمنية ثابتة.
تحديد ساعة بداية ونهاية ليوم العمل وإغلاق أدوات العمل بعدها فعليًا يساعد العقل
على الانتقال النفسي من وضع الإنتاج إلى وضع الراحة.
ثالثًا: بناء طقوس انتقال. مثل المشي
القصير بعد انتهاء العمل أو إغلاق الحاسوب بطريقة محددة يوميًا. هذه الطقوس تحاكي
الانتقال من المكتب إلى المنزل الذي كان يحدث سابقًا.
في النهاية، العمل عن بعد لا يلغي
الحاجة إلى التوازن، بل يجعل مسؤولية تحقيقه شخصية أكثر من أي وقت مضى. فالمشكلة
ليست في وجود العمل داخل المنزل، بل في غياب الحدود التي تنظمه. عندما نصمم هذه
الحدود بوعي، يتحول العمل عن بعد من مصدر استنزاف إلى أسلوب حياة أكثر استقرارًا
ومرونة. ولهذا فإن الفصل بين الحياة الشخصية والمهنية ليس أمرًا تلقائيًا، بل
مهارة يجب تعلمها وتطويرها باستمرار.

تعليقات
إرسال تعليق